محمد بن جرير الطبري

21

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ يعني بذلك جل ثناؤه : إنا أوحينا إليك ، كما أوحينا إلى نوح ، وإلى رسل قد قصصناهم عليك ، ورسل لم نقصصهم عليك . فلعل قائلا أن يقول : فإذ كان ذلك معناه ، فما بال قوله : وَرُسُلًا منصوبا غير مخفوض ؟ قيل : نصب ذلك إذا لم تعد عليه " إلى " التي خفضت الأسماء قبله ، وكانت الأسماء قبلها وإن كانت مخفوضة ، فإنها في معنى النصب ، لأن معنى الكلام : إنا أرسلناك رسولا كما أرسلنا نوحا والنبيين من بعده ، فعطفت الرسل على معنى الأسماء قبلها في الإعراب ، لانقطاعها عنها دون ألفاظها ، إذ لم يعد عليها ما خفضها ، كما قال الشاعر : لو جئت بالخبز له منشرا * والبيض مطبوخا معا والسكرا لم يرضه ذلك حتى يسكرا وقد يحتمل أن يكون نصب الرسل ، لتعلق الواو بالفعل ، بمعنى : وقصصنا رسلا عليك من قبل ، كما قال جل ثناؤه : يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً الإنسان : وقد ذكر أن ذلك في قراءة أبي : " ورسل قد قصصناهم عليك من قبل ورسل لم نقصصهم عليك " فرفع ذلك إذا قرئ كذلك بعائد الذكر في قوله : قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ . وأما قوله : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً فإنه يعني بذلك جل ثناؤه : وخاطب الله بكلامه موسى خطابا . وقد : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا نوح بن أبي مريم ، وسئل : كيف كلم الله موسى تكليما ؟ فقال : مشافهة . وقد حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو أسامة ، عن ابن مبارك ، عن معمر ويونس ، عن الزهري ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام ، قال : أخبرني جزء بن جابر الخثعمي ، قال : سمعت كعبا يقول : إن الله جل ثناؤه لما كلم موسى ، كلمه بالألسنة كلها قبل كلامه يعني كلام موسى فجعل يقول : يا رب لا أفهم حتى كلمه بلسانه آخر الألسنة ، فقال : يا رب هكذا كلامك ؟ قال : لا ، ولو سمعت كلامي أي على وجهه لم تك شيئا . قال ابن وكيع ، قال أبو أسامة : وزادني أبو بكر الصغاني في هذا الحديث : أن موسى قال : يا رب هل في خلقك شيء يشبه كلامك ؟ قال : لا ، وأقرب خلقي شبها بكلامي ، أشد ما تسمع الناس من الصواعق . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو أسامة ، عن عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر ، قال : سمعت محمد بن كعب القرظي ، يقول : سئل موسى : ما شبهت كلام ربك مما خلق ؟ فقال موسى : الرعد الساكن . حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : ثنا عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن ، أنه أخبره عن جزء بن جابر الخثعمي ، قال : لما كلم الله موسى بالألسنة كلها قبل لسانه ، فطفق يقول : والله يا رب ما أفقه هذا حتى كلمه بلسانه آخر الألسنة بمثل صوته ، فقال موسى : يا رب هذا كلامك ؟ قال : لا ، قال : هل في خلقك شيء يشبه كلامك ؟ قال : لا ، وأقرب خلقي شبها بكلامي ، أشد ما يسمع الناس من الصواعق . حدثني أبو يونس المكي ، قال : ثنا ابن أبي أويس ، قال : أخبرني أخي ، عن سليمان ، عن محمد بن أبي عتيق ، عن ابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام ، أنه أخبره جزء بن جابر الخثعمي ، أنه سمع الأحبار تقول : لما كلم الله موسى بالألسنة كلها قبل لسانه ، فطفق موسى يقول : أي رب ، والله ما أفقه هذا حتى كلمه آخر الألسنة بلسانه بمثل صوته ، فقال موسى : أي رب ، أهكذا كلامك ؟ فقال : لو كلمتك بكلامي لم تكن شيئا . قال : أي رب هل في خلقك شيء يشبه كلامك ؟ فقال : لا ، وأقرب خلقي شبها بكلامي ، أشد ما يسمع من الصواعق . حدثنا ابن عبد الرحيم ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا زهير ، عن يحيى ، عن الزهري ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، عن جزء بن جابر ، أنه سمع كعبا يقول : لما كلم الله موسى بالألسنة قبل لسانه ، طفق موسى يقول : أي رب ، إني لا أفقه هذا حتى كلمه الله آخر الألسنة بمثل لسانه ، فقال موسى : أي رب هذا كلامك ؟ قال الله : لو كلمتك بكلامي لم تكن شيئا . قال : يا رب ، فهل من خلقك شيء يشبه كلامك ؟ قال : لا ، وأقرب خلقي شبها بكلامي ، أشد ما يسمع من الصواعق . القول في تأويل قوله تعالى : رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ